ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
50
حجة الله البالغة
( الْجَنَائِز ) اعْلَم أَن عيادات الْمَرِيض وتمسكه بالرقى الْمُبَارَكَة . والرفق بالمحتضر . وتكفين الْمَيِّت وَدَفنه ، والاحسان إِلَيْهِ والبكا عَلَيْهِ وتعزية أَهله . وزيارة الْقُبُور أُمُور تتداولها طوائف الْعَرَب ، وتتوارد عَلَيْهَا أَو على نظائرها أَصْنَاف الْعَجم ، وَتلك عَادَة لَا يَنْفَكّ عَنْهَا أهل الأمزجة السليمة ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُم أَن ينفكوا ، فَلَمَّا بعث النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نظر فِيمَا عِنْدهم من الْعَادَات فأصلحها ، وَصحح السقيم مِنْهَا . والمصلحة المرعية إِمَّا رَاجِعَة إِلَى نفس الْمُبْتَلى من حَيْثُ الدُّنْيَا ، أَو من حَيْثُ الْآخِرَة ، أَو إِلَى أَهله من إِحْدَى الحيثيتين ، أَو فِي الْملَّة ، وَالْمَرِيض يحْتَاج إِلَى حَيَاته الدُّنْيَا إِلَى تَنْفِيس كربته بالتسلية والرفق ، وَإِلَى أَن يتَعَرَّض النَّاس لمعاونته فِيمَا يعجز عَنهُ ، وَلَا يتَحَقَّق إِلَّا أَن تكون العيادة سنة لَازِمَة فِي إخوانه وَأهل مدينته ، وَفِي آخرته يحْتَاج إِلَى الصَّبْر ، وَأَن يتَمَثَّل الشدائد عِنْده بِمَنْزِلَة الدَّوَاء المر يعاف طعمها ، ويرجو نَفعهَا لِئَلَّا يكون سَببا لغوصه فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا واحتجابه والتنحي عَن ربه ، بل مؤيدة فِي حط ذنُوبه مَعَ تحلل أَجزَاء نسمته ، وَلَا يتَحَقَّق إِلَّا بِأَن يُنَبه على فَوَائِد الصَّبْر وَمَنَافع الآلام والمحتضر فِي آخر يَوْم من أَيَّام الدُّنْيَا ، وَأول يَوْم من أَيَّام الْآخِرَة ، فَوَجَبَ أَن يحث على الذّكر والتوجه إِلَى الله لتفارق نَفسه - وَهِي فِي غاشية من الْإِيمَان - فيجد ثَمَرَتهَا فِي معاده ، وَالْإِنْسَان عِنْد سَلامَة مزاجه كَمَا جبل على حب المَال والأهل كَذَلِك جبل على حب أَن يذكرهُ النَّاس بِخَير فِي حَيَاته وَبعد مماته ، وَألا تظهر سوأته لَهُم حَتَّى إِن أَسد النَّاس رَأيا من كل طَائِفَة يجب أَن يبْذل أَمْوَالًا خطيرة فِي بِنَاء شامخ يبْقى بِهِ ذكره ، ويهجم على المهالك ؛ ليقال لَهُ من بعده : أَنه جرئ ، ويوصي أَن يَجْعَل قَبره شامخا ليقول النَّاس : هُوَ ذُو حَظّ عَظِيم فِي حَيَاته وَبعد مَوته ، وَحَتَّى قَالَ حكماؤهم : إِن من كَانَ ذكره حَيا فِي النَّاس ، فَلَيْسَ بميت ، وَلما كَانَ ذَلِك أمرا يخلقون عَلَيْهِ ويموتون مَعَه كَانَ تَصْدِيق ظنهم وإيفاء وعدهم نوعا من الْإِحْسَان إِلَيْهِم بعد مَوْتهمْ . وَأَيْضًا إِن الرّوح إِذا فَارَقت الْجَسَد بقيت حساسة مدركة بالحس الْمُشْتَرك وَغَيره ، وَبقيت على علومها وظنونها الَّتِي كَانَت مَعهَا فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا ، ويترشح عَلَيْهَا من فَوْقهَا عُلُوم يعذب بهَا أَو ينعم ، وهمم الصَّالِحين من عباد الله ترتقي إِلَى حَظِيرَة الْقُدس فَإِذا ألحوا فِي الدُّعَاء لمَيت ، أَو عانوا صَدَقَة عَظِيمَة لأَجله وَقع ذَلِك بتدبير الله نَافِعًا للْمَيت ، وصادف الْفَيْض النَّازِل عَلَيْهِ من هَذِه الحظيرة ، فأعد لرفاهية حَاله .